وهبة الزحيلي
11
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لكان فيه هلاكهما ، فليرض امرؤ بقضاء اللّه ، فإن قضاء اللّه للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب . وصح في الحديث : « لا يقضي اللّه لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له » وقال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة 2 / 216 ] . فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً أي قال الخضر العالم : فأردنا أن يرزقهما اللّه بدل هذا الولد ولدا خيرا منه دينا وصلاحا وطهارة من الذنوب ، وأقرب رحمة لوالديه ، وعطفا عليهما ، وبرا بهما وشفقة عليهما . ويلاحظ أن الغلام يشمل البالغ والصغير ، ويرى الجمهور أن هذا الغلام لم يكن بالغا ، لذا قال موسى : نفسا زكية أي لم تذنب . وقال الكلبي : كان بالغا . 3 - وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ، وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما ، وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ، فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي وأما الحائط الذي أصلحته ، فكان لولدين صغيرين يتيمين في قرية هي أنطاكية ، وكان تحته كنز ، أي مال جسيم مدفون ، وكان أبوهما وهو الأب السابع رجلا صالحا ، فأراد اللّه إبقاء ذلك الكنز ( وكان مالا ) مدفونا حفظا لمالهما ، ولصلاح أبيهما ، فأمرني ربي بإصلاح ذلك الحائط ، إذ لو سقط لاكتشف وأخذ ، وأراد اللّه أن يبلغ الغلامان كمالهما وتمام نموهما ، ويستخرجا الكنز من ذلك الموضع الذي عليه الجدار ، رحمة لهما ، بصلاح أبيهما . والمراد بالمدينة هي القرية المذكورة سابقا : حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ وهو دليل على إطلاق القرية على المدينة . والظاهر أن الغلامين كانا صغيرين بقرينة وصفهما باليتم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود عن علي : « لا يتم بعد احتلام » . ويلاحظ أنه هنا أسند الإرادة إلى اللّه تعالى ؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا اللّه . وأما في السفينة ، فأسند الفعل إلى الخضر العالم ، فقال تعالى : فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها كما أن الأدب يقضي إسناد الخير إلى اللّه ، والشر إلى العباد .